حيدر حب الله
279
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
التأمت فيه هذه المناهج لأنّ غايته كانت دفاعيّةً ، والدفاع عن الدين قد يفرض على المتكلّم استخدام منهج نقلي تارةً ، وعقلي أخرى تبعاً للحاجات المتحرّكة في واقع الجدل الفكري داخل الأمّة ، أو فيما بينها وبين الفكر الديني الآخر ، ولولا عنصر الغاية هذا لما قام علمٌ مثل علم الكلام . هذه صورة موجزة للغاية عن ملمح من ملامح جدلهم في هذا الموضوع أيضاً ، وهناك ملامح أخرى تتصل بقضيّة العرض الذاتي والعرض الغريب في الدراسات الفلسفيّة والمنطقية ، ويطول بينهم الكلام في تفاصيل أنواع الواسطة في الثبوت والإثبات والعروض وغير ذلك عند حديثهم عن موضوع علم الأصول . ونحن من بين هذه الاتجاهات الثلاثة نضع تعليقاً واحداً ، وهو أنّه ليس من الضروري أن يكون العنصر الذي يضبط العلوم أمراً واحداً مثل المنهج ، أو الموضوع ، أو الغاية أو . . بل قد يتكوّن علم على أساس المنهج ، وربما يكون للموضوع دور في علم آخر ، فيما يكون للغاية دور في تكوين علم ثالث ، ولا استحالة في ذلك ، وعليه ، فليس من الضروري إتعاب أنفسنا بهذا الموضوع هنا ، بل تترك الاحتمالات مفتوحةً تتحرّك على أكثر من اتجاه . على أنّنا نلاحظ على هذه الطريقة التي استخدمها الأصوليون لدراسة مسألة موضوع العلم أنها تجريّدية مبالغ بها ، فالمفترض أن ننظر إلى واقع العلوم ، ونسبر تطوّرها التاريخي ، وهناك نطلّع على الأمر ، بدل الجلوس في غرفةٍ مع التحليلات الافتراضيّة ذات الطابع الفلسفيّ التجريدي ، فالعلوم لا تتكوّن من هندسات فلسفيّة فقط ، بل للتاريخ دورٌ أحياناً ، فعلينا رصد المسار التاريخي لفهم محوريّات علم من العلوم أيضاً إلى جانب المسار التحليلي .